أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

17

العقد الفريد

فتصدقوا ؛ إن اللّه يجزي المتصدقين ! قال هشام : هل من حاجة غير هذه يا أعرابي ؟ قال : ما ضربت إليك أكباد الإبل أدّرع الهجير ، وأخوض الدجا لخاصّ دون عام ، ولا خير في خير لا يعم . فأمر له هشام بأموال فرّقت في الناس ؛ وأمر للأعرابي بمال فرّقه في قومه . لبعض الأعراب : طلب أعرابي من رجل حاجة فوعده قضاءها ؛ فقال الأعرابي : إن من وعد قضى الحاجة وإن كثرت ؛ والمطل من غير عسر آفة الجود . وقال أعرابي ، وأتى رجلا لم تكن بينهما حرمة في حاجة له ، فقال : إني امتطيت إليك الرجاء ، وسرت على الأمل ، ووفدت بالشكر ، وتوسلت بحسن الظن : فحقق الأمل ، وأحسن المثوبة ، وأكرم القصد ، وأتم الود ، وعجل المراد . وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي ، فقال : الحمد للّه ، وأعوذ باللّه أن أذكر به وأنساه ، إنا أناس قدمنا هذه المدينة ثلاثون رجلا ؛ لا ندفن ميتا ؛ ولا نتحول من منزل وإن كرهناه ؛ فرحم اللّه عبدا تصدّق على ابن سبيل ، ونضو « 1 » طريق ، ورسل سنة ؛ فإنه لا قليل من الأجر ؛ ولا غني عن اللّه ، ولا عمل بعد الموت ؛ يقول اللّه عز وجل : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً « 2 » إن اللّه لا يستقرض من عوز ؛ ولكن ليبلو خيار عباده . وقف أعرابي في شهر رمضان على قوم ؛ فقال : يا قوم لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس ، ومعي بنتان لي ، واللّه ما علمتهما تخلالا بخلال ؛ فهل رجل كريم يرحم اليوم مقامنا ، ويرد حشاشتنا ؛ منعه اللّه أن يقوم مقامي فإنه مقام ذل وعار وصغار ! فافترق القوم ولم يعطوه شيئا ! فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا ، ثم

--> ( 1 ) نضا نضوا المكان : جاوزه وخلّفه . ( 2 ) سورة البقرة الآية 245 .